مات قبل 5300 عام.. نسخة رقمية مذهلة من «رجل الجليد»

قبل نحو 5300 عام، لقي «أوتزي» رجل الجليد حتفه في جبال الألب، لكن جسده المحفوظ في الجليد لا يزال يكشف للعلماء تفاصيل مذهلة عن حياة البشر في العصر النحاسي. والآن، حصلت هذه المومياء الشهيرة على «توأم رقمي» ثلاثي الأبعاد يمكن للباحثين فحصه دون الحاجة إلى التعامل المتكرر مع الجسد الأصلي الهش.
وعُثر على أوتزي عام 1991 قرب الحدود الحالية بين النمسا وإيطاليا، ومنذ ذلك الحين أصبح مصدرًا مهمًا للمعلومات عن حياة الإنسان في أوروبا خلال العصر النحاسي. وكشفت الدراسات أنه عانى من مشكلات صحية وطفيليات والتهاب المفاصل، كما كانت لديه إصابات سابقة، قبل أن يُقتل بسهم أصابه في كتفه.
ولإنشاء التوأم الرقمي، استخدم الباحثون 1294 صورة عالية الدقة لجسد أوتزي، ودمجوها مع بيانات الأشعة المقطعية لكامل الجسم التي أُجريت له في مستشفى بولزانو عام 2021. والنتيجة نموذج ثلاثي الأبعاد فائق الدقة يسمح بفحص أجزاء من جسده من الداخل والخارج، وصولًا إلى مستوى أقل من مليمتر.
ولا يقتصر المشروع على مومياء أوتزي نفسها، إذ جرى أيضًا تصوير عدد من متعلقاته، من بينها قبعة مصنوعة من جلد الدب، وعباءة من الفرو، وحزام، وفأس ورؤوس سهام. وكانت العملية أكثر تعقيدًا بسبب اختلاف المواد التي صُنعت منها هذه القطع، مثل الجلد والفرو والخشب والصوان والنحاس، إذ تتعامل تقنيات التصوير مع انعكاس الضوء على كل مادة بطريقة مختلفة، وفقا لموقع "iflscience.".
ويهدف التوأم الرقمي إلى حماية المومياء ومقتنياتها من التعامل المتكرر، مع إتاحة بياناتها للباحثين حول العالم. كما يمكن أن يصبح النموذج مستقبلًا تطبيقًا عبر الإنترنت يسمح للمستخدمين بفحص أوتزي افتراضيًا من زوايا مختلفة، في تجربة تجمع بين الحفاظ على الآثار والبحث العلمي.
ونُشرت الدراسة التي تصف المشروع في مجلة Heritage، حيث يرى الباحثون أن دمج البيانات الخارجية والداخلية في نموذج ثلاثي الأبعاد واحد يوفر أداة جديدة للبحث الأثري والجنائي والحفاظ على المومياء.
ماذا تعرف عن «رجل الجليد»؟
«أوتزي» هو اسم أطلقه العلماء على مومياء رجل من العصر النحاسي عُثر عليها عام 1991 في جبال الألب، قرب الحدود بين إيطاليا والنمسا. وتشير الدراسات إلى أنه عاش قبل نحو 5300 عام، وكان عمره عند وفاته نحو 45 عامًا، وهو عمر متقدم نسبيًا بالنسبة إلى تلك الفترة.
لماذا سُمّي «أوتزي»؟
الاسم مشتق من وادي أوتزال (Ötztal) في جبال الألب، وهي المنطقة التي عُثر فيها على المومياء. لذلك «أوتزي» ليس اسمه الحقيقي؛ فلا يعرف اسمه الأصلي، وإنما هو اسم حديث أُطلق عليه نسبةً إلى مكان اكتشافه.
أما جنسيته لا يمكن وصفه بأنه إيطالي أو نمساوي بالمعنى الحديث؛ لأنه عاش قبل آلاف السنين، أي قبل ظهور الدول والجنسيات الحالية. لكن مكان العثور عليه يقع اليوم في إيطاليا، وتحديدًا في جنوب تيرول، قرب الحدود مع النمسا.
كان أوتزي يبلغ طوله نحو 160 سنتيمترًا، ويزن قرابة 50 كيلوغرامًا، وكان يرتدي ملابس مصنوعة من جلود الحيوانات وألياف نباتية، كما عُثر معه على مجموعة من الأدوات والأسلحة، من بينها فأس نحاسية وقوس وسهام وسكين.
وأظهرت الفحوص العلمية أن جسده يحمل آثارًا لعدد من المشكلات الصحية، منها تصلب الشرايين وتآكل المفاصل، كما كشفت تحاليل محتويات معدته عن تفاصيل تتعلق بما تناوله قبل وفاته. وعثر العلماء أيضًا على وشوم موزعة على أجزاء مختلفة من جسده، ويُعتقد أن بعضها ربما ارتبط بممارسات علاجية أو طبية.
لكن أكثر الاكتشافات إثارة كان سبب وفاته؛ فقد أظهرت التحاليل أنه تعرض لسهم اخترق كتفه، ما تسبب في إصابة قاتلة، كما كانت لديه جروح أخرى تشير إلى أنه خاض مواجهة قبل موته بوقت قصير.
وبفضل حالة حفظه الاستثنائية، أصبح أوتزي واحدًا من أهم الاكتشافات الأثرية التي ساعدت العلماء على فهم حياة الإنسان في أوروبا قبل آلاف السنين.