30 مليون دولار تبخرت.. لماذا عجزت ناسا عن إنقاذ «سويفت»؟

تحولت واحدة من أكثر مهمات الإنقاذ طموحاً في تاريخ ناسا إلى فشل مدوٍ، بعدما أعلنت الوكالة إلغاء محاولة إنقاذ تلسكوب «نيل غيرلز سويفت» وإعادته إلى مدار أعلى، لتنتهي مهمة كلفت نحو 30 مليون دولار دون تحقيق هدفها. وكان من المفترض أن تنقذ العملية التلسكوب من السقوط التدريجي نحو الغلاف الجوي، وتمنحه سنوات إضافية من العمل في الفضاء.
البداية كانت سباقاً مع الزمن
يعمل «سويفت» منذ إطلاقه عام 2004، وقد تجاوز بكثير عمره الأصلي المخطط له، وأصبح أداة مهمة لرصد انفجارات أشعة غاما وغيرها من الظواهر الكونية العنيفة. لكن نشاط الشمس المتزايد أدى إلى تمدد الغلاف الجوي للأرض، ما زاد مقاومة الهواء على التلسكوب وأسرّ فقدانه للارتفاع. وبحلول عام 2026، أصبح «سويفت» على ارتفاع يقارب 347 كيلومتراً، بعدما كان في الأصل على نحو 600 كيلومتر.
ولأن التلسكوب لا يمتلك نظام دفع خاصاً به لرفع مداره، قررت ناسا خوض محاولة غير مسبوقة لإنقاذه، عبر مركبة روبوتية تجارية طورتها شركة Katalyst Space Technologies تحت اسم LINK. وكانت الخطة أن تقترب المركبة من «سويفت»، وتمسك به بواسطة أذرع آلية، ثم تستخدم محركاتها لرفع التلسكوب إلى مدار أكثر أماناً.
مركبة الإنقاذ احتاجت إلى من ينقذها
بعد إطلاق LINK في 3 يوليو، سارت المهمة بصورة طبيعية في البداية، قبل أن تظهر المشكلة الحاسمة بعد أسابيع قليلة. فقد تعرضت المركبة إلى خلل في نظام التحكم في وضعيتها، ما تسبب في دورانها حول أكثر من محور وفقدانها القدرة على الحفاظ على اتجاه ثابت، إضافة إلى اضطراب الاتصالات مع فرق التحكم على الأرض.
وكانت المشكلة أكثر خطورة مما تبدو عليه؛ إذ أظهر التحقيق الأولي أن عجلتي رد فعل من أصل ثلاث في المركبة لم تعودا تعملان. وهذه العجلات من أهم مكونات التحكم في اتجاه المركبة، إذ تسمح لها بتغيير وضعيتها بدقة من دون استهلاك الوقود.
ومع فقدان عجلتين، أصبحت LINK تدور بصورة غير مستقرة، ما جعل تنفيذ المهمة الأساسية، الاقتراب من «سويفت» والالتحام به، شديد الخطورة.
المحركات استُخدمت لإيقاف الدوران بدلاً من الإنقاذ
حاول المهندسون استعادة السيطرة على المركبة باستخدام وسائل أخرى، بينها المحركات الدافعة التي كان يفترض أن تُستخدم لاحقاً للمساعدة في رفع مدار «سويفت». لكن استخدام هذه المحركات للتعامل مع مشكلة الدوران استهلك جزءاً من هامش المهمة، كما أن المركبة لم تكن مصممة أساساً للاعتماد عليها بهذه الطريقة كبديل كامل لنظام التحكم المتعطل.
ورغم محاولات تحديث البرمجيات وإيجاد طرق بديلة للسيطرة على المركبة، لم يتمكن المهندسون من حل مشكلة التحكم بصورة موثوقة تسمح بالمضي قدماً نحو عملية الالتحام والرفع المداري. وفي النهاية، أعلنت ناسا وKatalyst في 19 أغسطس إلغاء مهمة الإنقاذ.
الوقت كان أحد أكبر أعداء المهمة. فمدار «سويفت» كان ينخفض باستمرار، وكلما اقترب التلسكوب من الأرض أصبح إنقاذه أكثر صعوبة. ومع استمرار النشاط الشمسي، كان خطر عودته إلى الغلاف الجوي واحتراقه يتزايد، ما ترك أمام المهندسين نافذة زمنية محدودة للغاية.
كما أن LINK نفسها بُنيت في فترة قياسية بلغت نحو تسعة أشهر فقط من التعاقد حتى الإطلاق، وهو جدول زمني شديد السرعة بالنسبة إلى مهمة فضائية بهذا التعقيد. وكان الهدف من التجربة لا يقتصر على إنقاذ «سويفت»، بل اختبار تقنية يمكن استخدامها مستقبلاً في صيانة وإنقاذ أقمار صناعية أخرى.
«سويفت» يتجه إلى مصيره
بعد إلغاء المهمة، لم يعد هناك مسار عملي لرفع مدار التلسكوب. ووفق المعطيات الحالية، يتجه «سويفت» إلى فقدان المزيد من الارتفاع، قبل أن يعاود دخول الغلاف الجوي للأرض ويحترق في وقت لاحق من عام 2026.
المشكلة لم تكن في «سويفت» وحده، بل في مركبة الإنقاذ نفسها؛ إذ أصابها خلل في نظام التحكم، وتعطلت اثنتان من عجلات رد الفعل الثلاث المسؤولة عن تثبيت اتجاهها، ما أدى إلى دورانها بشكل غير مستقر واضطراب الاتصالات معها. ومع فشل المهندسين في استعادة السيطرة الكاملة عليها، أصبحت عملية الالتحام بـ«سويفت» وتنفيذ مهمة رفع مداره مستحيلة.
وبذلك تحولت مهمة الـ30 مليون دولار من محاولة لإنقاذ تلسكوب أثبت قيمته العلمية على مدى أكثر من عقدين، إلى تجربة قاسية كشفت مدى صعوبة تنفيذ عمليات الإنقاذ والصيانة في المدار، خصوصاً عندما تكون المركبة التي يفترض أن تنقذ القمر الصناعي هي نفسها التي تواجه أزمة في الفضاء.